|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلال والحرام في الإسلام
موضوع الحلال والحرام ، هو قوام الإسلام ، ودليل الإيمان ، وميزان الصدق
عند الواحد الديان ، فلا إيمان بلا عمل ، ولا عمل إلا على مقتضى الأمر
والنهي ، ولا التزام بأمر آمر ، ولا نهي ناهٍ إلا عن حب ، والحب دون اتباع
كذب ونفاق ، ومن هنا كانت خطورة موضوع الحلال والحرام في الإسلام ، الذي هو
شريعة خاتمة ، لبناء حضارة أمة ، هي خير أمةٍ أخرجت للناس ، لقد كانت جميع
الرسالات السابقة تدريباً للبشرية على تقبل تلك الشريعة الخاتمة ، وتمهيداً
لاكتمال الوعي في تلك الأمة المختارة ، فما من أمة عدلت عن تشريع الله إلا
أخذت بالدمار والهلاك ، وما من فرد ، أهمل الأمر والنهي ، إلا اختل قوامه ،
واضطرب حاله ، قال تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمْ الاسْلامَ دِينًا
الشريعة رحمة كلها ، عدل كلها ، مصلحة كلها ، حكمة كلها ، إنها تعليمات
الصانع الخبير ، " ولا ينبئك مثل خبير " .
لقد أراد الإسلام بناء شخصية المسلم ، متميزةً عن الشخصيات الأخرى ، من
خلال الحلال والحرام ، وقد اتجه الإسلام بأهله إلى بناء مجتمع الجسد الواحد
، والأخوة الإسلامية الصادقة التي تنتهي إلى الأخوة الإنسانية ، على هدى
الحلال والحرام ، لقد احترم الإسلام الإنسان ، وأعلى قدره حينما نظر إلى
الاقتصاد من خلال الإنسان كرامةً وكفايةً وأمناً ، لا من خلال قهره
واستغلاله ، فكان الحلال والحرام صوناً لكرامة الإنسان ، فشرائع الإسلام
صالحةٌ لاستيعاب كل المعاملات والقضايا العصرية ، لتضعها في مكانها من
الحلال والحرام .
الحلال والحرام يتصل بأعمال القلوب ، كما يتصل بأعمال الجوارح ، والصحابة
الكرام على جلالة قدرهم ، وعمق إيمانهم ، وقربهم من رسول الله صلى الله
عليه وسلم كانوا أحرص الناس على رعاية أعمال القلوب ، حرصهم على رعاية
أعمال الجوارح ، إن الإنسان لا يتحرك في أعماله سواءً أكانت فعلاً أو تركاً
، حركةً آليةً بلا دافع قلبي ، يدفعه إلى العمل ، وإلا كان جماداً لا روح
فيه ، هذا الدافع القلبي هو الإرادة والنية ، وقد يدخله كثير من ألوان
الخداع النفسي ، حتى يتحول عمل الطاعة إلى إثم ، ويتحول ترك الحرام إلى
حرام .
إن أعمال القلوب دقيقة المأخذ ، تتقارب فيها حدود الحلال والحرام تقارباً
لا يمكن التمييز بينها ، إلا بعد تأملٍ دقيق ، على هدى من علم شامل ، وفقه
عميق ، كالنفاق المحرم ، والمباهاة المباحة ، كيف نميز بينهما ؟ .. وكالخوف
من الله ، واليأس من رحمته .. كيف نفرق بينهما ؟ .. وكرجاء رحمته ، والغِرة
به ، كإضمار ما يجب ستره ، بنية الدعوة إلى العمل بالقدوة ، ونية الإعجاب
بالعمل والرغبة في ثناء الناس ، كيف نفرق بينهما ؟ .. وكالعجب والكبر ،
والمهابة والوقار ..
إن الأعمال تحتاج إلى شروط صحةٍ من زاوية الأحكام الفقهية التي تتعلق
بالجوارح ، وهذه الشروط موجودة في كتب الفقه ، وتحتاج أعمال الإنسان إلى
شروط صحةٍ أخرى من زاوية قبوله عند الله ، وهذه تتعلق بمعرفة النفس
وأحوالها مع ربها .
فالعمل مطلقاً ، والعمل الصالح بخاصة لا يُقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً
وصواباً ؛ خالصاً ما ابتُغي به وجه الله ، وهذا من عمل القلب ، وصواباً ما
وافق السنة ، وهذا من عمل الجوارح ، وكل منهما شرط لازم غير كاف .
القاعدة الأولى : الأصل في الأشياء الإباحة .
إن أول مبدأ قرره الإسلام ، أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع هو
الحلُّ والإباحة ، ولا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح وصريح بتحريمه ، من
الله في كتابه ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ، فإذا لم يكن
النص صحيحاً ، أو لم يكن صريحاً في الدلالة على الحرمة ، بقي الأمر على أصل
الإباحة ، قال تعالى :
وما كان الله سبحانه وتعالى ، ليخلق هذه الأشياء ، ويسخرها للإنسان ،
ويمنََّ عليه بها ، ثم يحرمه منها ، بتحريمها عليه ، كيف وقد خلقها ،
وسخرها له ، وأنعم بها عليه ، والذي حرمه جل جلاله ، جزئيات منها بسبب
وحكمة بالغة ، ومن هنا ضاقت دائرة المحرَّمات في شريعة الإسلام ضيقاً
شديداً ، واتسعت دائرة الحلال اتساعاً بالغاً .
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو
، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً .. وتلا قوله
تعالى : " وما كان ربك نسياً " .
[ الحديث حسن أخرجه الحاكم ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه إلى
البزار والطبراني في الكبير وأشار إلى حسنه0 ]
إن أصل الإباحة تشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة ، ففي
الأشياء والأفعال ، الأصل أنها مباحة ، ولا يُحرم شيئاً منها إلا بنص ، وفي
العبادات الأصل هو الحظر ، ولا تُشَّرع عبادة إلا بنصٍ .
القاعدة الثانية : التحليل والتحريم ؛ من حق الله تعالى وحده .
التحليل والتحريم ، من حق الله تعالى وحده ، وليس من حق أحدٍ من خلقه ،
أياً كانت درجته في دين الله ، أو دنيا الناس ، فمن فعل ذلك من بني البشر ،
فقد تجاوز حدّه ، واعتدى على حق الربوبية في التشريع للخلق ، ومن رضي بعمله
هذا واتبعه فقد جعله شريكاً لله ، وعُدَّ اتباعه هذا شركاً ، قال تعالى :
*
وكان السلف الصالح ، لا يصف شيئاً بأنه حرام ، مالم يكن في كتاب الله ، أو
في سنة رسوله ، بيناً بلا تفسير ، وكانوا لا يطلقون الحرام إلا على ما عُلم
تحريمه بالضرورة قطعاً يقيناً ، وكان أحمد ابن حنبل يقول حين يُسأل : "
أكرهه ، لا يُعجبني ، لا أحبه ، لا أستحسنه " .
القاعدة الثالثة : تحليل الحرام ، وتحريم الحلال من أكبر الكبائر .
تحليل الحرام ، وتحريم الحلال يقترن بالشرك ، يقول عليه الصلاة والسلام ،
فيما يرويه عن ربه : " إني خلقت عبادي حُنفاء ، وإنهم أتتهم الشياطين ،
فاجتالتهم عن دينهم ، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرَتهم أن يشركوا بي ما
لم أنزل به سلطاناً "
[ أخرجه مسلم في صحيحه 8 - 151 ، وأحمد في مسنده 4-162 من حديث عياض بن
صحار المجاشعي]
، وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم نزعة التنطع والتشدد ، من دون موجب ،
وذمها ، وأخبر بهلاك أصحابها ، فقال عليه الصلاة والسلام :
" ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون
[ أخرجه مسلم في صحيحه ( 6 /58 ) ورواه أبو داود (3992 ) وأحمد (3473)
واللفظ لأبي داود وهو صحيح ]
والتحريم يستطيعه كل إنسان ، حتى الجاهل ، لكن العلماء المتمكنين العاملين
بعلمهم ، المخلصين في عملهم ، هم الذين يبينون للناس ما هو حلال وما هو
حرام ، بالدليل والتعليل ، فالتبليغ مهمة الأنبياء والرسل ، والتبيين مهمة
العلماء من بعدهم .
القاعدة الرابعة : الحلال طيب ، والحرام خبيث .
من حق الله تعالى ، لكونه خالقاً ومربياً ومسيراً ، ومنعماً على خلقه بنعمة
الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، من حقه أن يُحل لهم ، وأن
يُحرّم عليهم ما يشاء ، كما له أن يتعبدهم بالتكاليف والشعائر بما يشاء ،
فهو حق ربوبيته لهم ، ومقتضى عبوديتهم له ؛ ولكنه تعالى ، رحمة منه بعباده
، جعل التحليل والتحريم ، لأسباب معقولة ، راجعةٍ لمصلحة البشر أنفسهم ،
فلم يحل سبحانه إلا طيباً ، ولم يحرم إلا خبيثاً ، قال تعالى :
يُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ
والطيبات هي الأشياء التي تستطيبها النفوس المعتدلة المتوازنة، ويستحسنها
مجموع الناس ، ذوي الفطر السليمة ، استحساناً غير ناشئ عن أثر العادة ،
فالعلاقة بين الحلال ونتائجه علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، والعلاقة
بين الحرام ونتائجة علاقة عليمة ، أي علاقة سبب بنتيجة .
القاعدة الخامسة : في الحلال ما يُغني عن الحرام .
من محاسن الشريعة الإسلامية ، أنها لم تُحرم شيئاً إلا عوضت خيراً منه ،
مما يسد مسده ، ويغني عنه ، فالله تعالى ، لم يضيق على عباده من جانب ، إلا
وسَّع عليهم من جانب آخر ، من جنسه ، فإنه سبحانه وتعالى ، لا يُريد بعباده
عنتاً ، ولا إرهاقاً ، بل يُريد بهم اليُسرَ والخير والهداية والرحمة ، قال
أحد العلماء : حرم الله عباده ، الاستقسام بالأزلام ، وعوضهم عنه دعاء
الاستخارة ، حرم عليهم الربا ، وعوضهم التجارة الرابحة ، حرم عليهم القمار
، وأعاضهم عنه المسابقة في الدين ، حرم عليهم الحرير ، وأعاضهم عنه الملابس
الفاخرة ، حرم عليهم الزنا ، وأعاضهم عنه الزواج الحلال ، حرم عليهم شرب
المسكرات ، وأعاضهم عنها بالأشربة اللذيذة ، حرم عليهم الخبائث من
المطعومات ، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات .
ليس في الدين حرمان ، كما يتوهم الجهلة ، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان
، جعل لها قناةً نظيفةً تتحرك من خلالها ، وكل حاجة ، ألجأ الله إليها
عباده ، جعل لهم ، أكثر من سبب لتحقيقها ، فالحلال يُغني عن الحرام ، أيما
غناء .
القاعدة السادسة : ما أدى إلى حرام فهو حرام .
ومن المبادئ التي قررها الإسلام ، أنه إذا حرَّم شيئاً حرم ما يُفضي إليه
من وسائل ، وسد الذرائع الموصلة إليه ، فإذا حرَّم الزنا ، حرم كل مقدماته
ودواعيه ، من تبرج جاهلي ، وخلوة آثمة ، واختلاط عابث ، وصور فاضحة ، وأدب
مكشوف ، وغناء فاحش فما أدى إلى حرام فهو حرام .
وقرر أيضاً أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده ، بل تتسع
الدائرة لتشمل كل من شارك فيه بجهد مادي أو أدبي ، كل يناله من الإثم على
قدر مشاركته ، ففي الخمر لعن معها عشرة شاربها ، وعاصرها وحاملها ،
والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها 000
القاعدة السابعة : التحايل على الحرام حرام .
وكما حرَّم الإسلام ، كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة ، حرم أيضاً
التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية ، والحيل الشيطانية ، ومن الحيل
الآثمة تسمية الشيء الحرام بغير اسمه ، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته ، ولا
ريب أنه لا عبرةَ بتغيير الاسم إذا بقي المسمى ، ولا بتغيير الصورة إذا
بقيت الحقيقة ، فمن باع سلعةً ديناً لستة أشهر بمئة ، ثم اشتراها نقداً
بثمانين ، وادعى أن هذا بيع وشراء ، نجيبه : بأنه لا عبرة لصورة البيع
والشراء ، إنه أقرض ثمانين ليستردها مئة ، وهذا هو الربا بعينه .
القاعدة الثامنة : النية الحسنة ، لا تبرر الحرام .
الإسلام يقدر الباعث الكريم ، والقصد الشريف ، والنية الطيبة ، في تشريعاته
، وتوجيهاته كلها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :
" إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل مرئ ما نوى " .
[وراه البخاري برقم 1 ، وأبو داود برق1882، وابن ماجه برقم 4217]
وبالنية الطيبة ، تصبح المباحات والعادات ، طاعات وعبادات ، فمن تناول
غذاءه بنية حفظ الحياة ، وتقوية الجسد على طاعة الله ، وأداء واجبه نحو ربه
وأمته ، كان طعامه وشرابه عبادة وقربة ، قال عليه الصلاة والسلام : " 000
وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له
فيها أجر ؟ قال : أليس إن وضعها في حرام كان عليه وزر ؟ فكذلك إن وضعها في
حلال كان له أجر "
[هو جزء من حديث طويل أوله : ذهب أهل الدثور بالأجور000 أخرجه مسلم وأبو
داود وأحمد ]
وهكذا كل عمل مباح ، يقوم به المؤمن ، يدخل فيه عنصر النية ، فتحيله إلى
عبادة .
أما الحرام فشيء آخر .. الحرام هو حرام ، مهما حسنت نية فاعله ، وشرف قصده
، ومهما كان هدفه نبيلاً ، لا يرضى الإسلام أبداً أن يُتخذ الحرام وسيلةً
إلى غاية محمودة ، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية ، وطهر الوسيلة معاً ،
ولا تقر شريعة الإسلام بحال مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، أو مبدأ الوصول إلى
الحق بالخوض في كثير من الباطل ، بل توجب شريعة الإسلام ، الوصول إلى الحق
عن طريق الحق وحده ، فمن جمع مالاً من ربا ، أو سحت ، أو لهوٍ حرام ، ليبني
مسجداً ، أو يُقيم مشروعاً خيرياً ، لم يشفع له نبل قصده ، لأن الحرام في
الإسلام ، لا تؤثر فيه المقاصد والنيات ، فالله طيب ولا يقبل إلا طيباً .
القاعدة التاسعة : اتقاء الشبهات أولى .
من رحمة الله تعالى بالناس ، أنه لم يذرهم في ظلمة من أمر الحلال والحرام ،
لقد بيَّن الحلال ، وفصل الحرام ، قال تعالى :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
فأما الحلال البين فلا حرج في فعله ، وأما الحرام البين فلا رخصة في اتباعه
، وهناك منطقة بين الحلال البين والحرام البين ، هي منطقة الشبهات ، التي
يلتبس بها أمر الحل بالحرمة على بعض الناس ، لا على جميعهم ، إما لاشتباهٍ
في الأدلة عليه ، أو لاشتباه في تطبيق النص على الواقعة ، وقد جعل الإسلام
من الورع أن يتجنب المسلم هذه الشبهات ، حتى لا يجرّه الوقوع فيها إلى
مواقعة الحرام الصرف ، قال عليه الصلاة والسلام :
" الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من
الناس ، أمن الحلال هي أم من الحرام ، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه ،
فقد سلم ، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يُواقع الحرام " .
[رواه البخاري برقم 50 ، ومسلم برقم 2996 ، والترمذي والنسائي وابن ماجه
وأحمد والدارمي ]
القاعدة العاشرة : الحرام حرام على الجميع .
الحرام في شريعة الإسلام يتسم بالشمول والاضطراد ، فليس هناك شيء حرام على
الأعجمي ، حلال على العربي ، وليس هناك شيء محظور على الملون ، مباح للأبيض
، وليس هناك جواز أو ترخيص ، ممنوح لفئة من الناس ، تقترف باسمه ما طوع لها
الهوى ، بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلالاً له ، كلا إن
الله رب الجميع ، والشرع سيد الجميع ، فما أحل الله بشريعته فهو حلال للناس
كافة ، وما حرَّم فهو حرام على الجميع كافة إلى يوم القيامة .
السرقة مثلاً حرام ، سواء أكان السارق ينتمي إلى المسلمين ، أو لا ينتمي ،
وسواء أكان المسروق ينتمي إلى المسلمين ، أو لا ينتمي، والجزاء لازم للسارق
، أياً كان نسبه أو مركزه ، وهذا ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأعلنه حينما قال :
" إنما أهلك الذين من قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله ؛ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
لقطعت يدها " .
[رواه مسلم في الحدود برقم 3197 ، والترمذي برقم 1350 ، وأحمد برقم 7797]
القاعدة الحادية عشرة : حول ضابط الكسب الحلال 0
وهي قاعدة مهمة جداً في الكسب ، إن الإسلام لا يُبيح لأبنائه أن يكتسبوا
المال كيفما شاؤوا ، وبأي طرق أرادوا ، بل هو يفرِّق بين الطرق المشروعة ،
باكتساب المعاش ـ نظراً إلى المصلحة الجماعية ـ وبين الطرق غير المشروعة ،
وهذا التفريق ، يقوم على المبدأ الكلي وهو : إن جميع الطرق لاكتساب المال
التي لا تحصل فيها المنفعة للفرد إلا بخسارة فرد غيره ، غير مشروعة .. وإن
الطرق التي يتبادل فيها الأفراد المنفعة فيما بينهم بالعدل والتراضي مشروعة
.. هذا المبدأ يبينه قوله تعالى :
لقد أشارت كلمة لا تأكلوا أموالكم ، ولم يقل الله عز وجل لا تأكلوا أموال
غيركم ، لقد أشارت كلمة " لا تأكلوا أموالكم " في الآية إلى حقيقة أساسية ،
وهي ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من أخوة صادقة ، ومشاركة وجدانية حانية
، يجسدها شعور المؤمن الحق أن مال أخيه هو ماله ، من زاوية واحدة ، وهي
وجوب الحفاظ عليه ، وصونه من التلف والضياع ، فلأن يمتنع عن أكله بالباطل
من باب أولى ، وأن مال أخيه هو ماله ، من زاوية ثانية ، وهي أن المؤمن إذا
أكل مال أخيه أضعفه ، وفي إضعافه إضعاف لذاته ، فالمؤمن إذا أكل ما أخيه
فكأنما أكل ماله ، لذلك ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" كل المسلم على المسلم حرام ، ماله ودمه وعرضه
[رواه مسلم في البر والصلة برقم 4650، والترمذي برقم 1850، وأبو داود في
الأدب برقم 4238 ، وابن ماجه في
الفتن برقم 3923 ، وأحمد 7402]
* * *
أهمية هذه القواعد :
هناك في الدين حقائق ، يجب أن تُعلم بالضرورة ، وهي فرض عين على كل مسلم ،
ذكراً كان أو أنثى ، بصرف النظر عن اختصاصه العلمي ، وعمله المهني ، ودوره
الاجتماعي ، وحاله النفسي ، فإن لم يعلمها شقي ، وهلك في الدنيا والآخرة ،
حقائق يجب أن تعلم بالضرورة .. نضرب على هذا مثلاً ، حينما يهبط إنسان من
طائرة بالمظلة ، هناك حقائقُ كثيرة عن المظلة ، نوع قماشها ، مساحته ، شكله
، لونه ، نوع حبالها ، أطوالها ، أقطارها ، ألوانها ، وطريقة فتح المظلة ،
فقد يجهل الذي يستخدم المظلة للهبوط من الطائرة نوع قماشها ، ومساحته ،
وشكله ، ولونه ، ونوع حبالها وأطوالها ، وأقطارها ، وألوانها ، ويهبط
سالماً .. أما إذا جهل طريقة فتح المظلة فلا بد من أن يصل إلى الأرض ميتاً
، طريقة فتح المظلة يجب أن تُعلم بالضرورة لأي مظلي ، والحلال والحرام جزء
من الدين ، وهو من أخطر أجزائه ، وهو الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة لكل
مسلم ، وحاجة المسلم إلى معرفة الحلال والحرام ، كحاجة المظلي إلى معرفة
طريقة فتح المظلة .
* * *
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد فتح خيبر الحجاج بن علاط
السلمي ، فأسلم ، وكان غنياً كثير المال ، فقال يا رسول الله : إن مالي عند
امرأتي أم شيبة بمكة ، ومتفرق في تجار مكة ، فاذن لي يا رسول الله ، أن آتي
مكة ، لآخذ مالي ، قبل أن يعلموا بإسلامي ، عندئذ لا أقدر على أخذ شيء منه
، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحجاج يا رسول الله : لا
بد من أن أقول [ أي أتقول ، أذكر ما هو خلاف الواقع ] حتى أحتال به لأخذ
ماله ، فقال عليه الصلاة والسلام ، كمالاً منه ، ورحمة بالحجاج : قل ما شئت
، قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة ، وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش
يستمعون الأخبار ، ويسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغهم
أنه سار إلى خيبر ، وهي من أقوى قرى الحجاز ، وهم يتجسسون الأخبار من
الركبان ، وكان بينهم تراهن عظيم على مئة بعير حول من سيغلب ، أهل خيبر أم
رسول الله ، فلما رأوا الحجاج ولم يكونوا علموا بإسلامه ، قالوا : الحجاج
والله عنده الخبر اليقين ؛ يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع [يعنون رسول
الله صلى الله عليه وسلم ] قد سار إلى خيبر ، فقال الحجاج : عندي من الخبر
ما يسركم ، فاجتمعوا عليه يقولون إيه يا حجاج ، قال الحجاج : فقلت لهم : لم
يلق محمد وأصحابه قوماً يحسنون القتل مثلهم ، فهزم هزيمةً لم يُسمع بمثلها
، وأسر محمد ، وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة ، فنقتله بين أظهرهم ،
بمن كان أصاب من رجالهم ، فانطلق هؤلاء الرجال فرحين أشد الفرح إلى أهل مكة
، فقيل لهم قد جاءكم الخبر ، هذا محمد ، إنما تنتظرون أن يُقدم به عليكم
فيُقتل بين أظهركم ، ثم قال لهم الحجاج ، أعينوني على غرمائي أريد أن أقدم
فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك ، فجمعوا إليّ
مالي على أحسن ما يكون ، ففشا ذلك بمكة ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ،
وانكسر من كان بمكة من المسلمين ، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، فجعل
لا يستطيع أن يقوم ، من شدة حزنه من هذا الخبر ، ثم بعث العباس إلى الحجاج
غلاماً ليقول له يا حجاج : الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقاً ،
فقال الحجاج للغلام : اقرأ على أبي الفضل السلام ، وقل له : ليُخِلِ لي بعض
بيوته ، لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عني ، فأقبل الغلام فقال : أبشر
أبا الفضل ، فوثب العباس فرحاً كأن لم يمسه شيء ، وأخبره بذلك ، فأعتقه
العباس رضي الله عنه لوجه الله : وقال لله علي عتق عشر رقاب على هذا الخبر
السار ، فلما كان الظهر ، جاءه الحجاج ، فناشد العباس أن يكتم عنه ثلاثة
أيام ، وقال إني أخشى الطلب ، فإذا مَضَتْ ثلاثٌ فأظهر أمرك ، وطالت على
العباس تلك الأيام الثلاث ، وبعد مضي هذه الأيام الثلاث عمد العباس رضي
الله عنه إلى حُلة فلبسها ، وتخلق بخلوقٍ [ أي تطيب بنوع من الطيب ] وأخذ
بيده قضيباً ، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش ، وهم يقولون ـ إذا مر بهم
لا يصيبك ـ إلا الخير يا أبا الفضل ، هذا والله من التجلد بحرّ المصيبة ،
قال : كلا والله الذي حلفتم به ، لم يصبني إلا خير ، بحمد الله ، أخبرني
الحجاج أن خيبر فتحها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجرت فيها
سهام الله وسهام رسوله ، وتزوج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم صفية بنت
ملكهم ، وإنما قال لكم ذلك ليخلص ماله منكم ، وإلا فهو ممن أسلم ، فرد الله
الكآبة التي كانت بالمسلمين ، على المشركين فقال المشركون : ألا يا عباد
الله ، انفلت عدو الله [ يعنون حجاجاً ] أما والله لو علمنا لكان لنا وله
شأن ، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك .
[وقد ذكر هذه القصة ابن سعد في طبقاته ]
تتصل هذه القصة ، من زاوية واحدة من زواياها ، بموضوع الحلال والحرام ،
ويستنبط منها ثلاث حقائق 0
الحقيقة الأولى : تتعلق بسنة من سنن الله في خلقه ، وهي أن الله جل جلاله
ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد 0
والحقيقة الثانية : تتعلق بخلق عظيم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم
، وهو رحمته بأصحابه ، وحرصه على مصالحهم 0
والحقيقة الثالثة : تتعلق بحكم فقهي في المال ، وهو أن حقوق العباد مبنية
عل المشاححة ، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة 0
* * *
تطبيقاً لقول الله عز وجل : " يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " 0 هذه
الشجرة المباركة ، الزيتونة ، تعد ثمرتها غذاء ووقاء ودواء ، فقد أهمل الطب
الحديث البحث عما في غذاء الإنسان من فوائد وقائية ، وعلاجية ، وغذائية ،
لكن في عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين ، ظهرت أول دراسة موضوعية عن أثر زيت
الزيتون في تخفيض شحوم الدم ، ثم أظهرت دراسة أخرى تبعتها ، أن أمراض
شرايين القلب ، واحتشاء العضلة القلبية ، كانت نادرةً بل شبه معدومة في
جزيرة كريت ، بسب أن أهل هذه الجزيرة يأكلون زيت الزيتون بكميات كبيرة ،
وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :
" كلوا الزيت وادهنوا به ، فإنه يخرج من شجرة مباركة " .
[رواه الترمذي في الأطعمة برقم 1774، وابن ماجه في الأطعمة برقم 3311 ،
وأحمد في مسند المكيين برقم15475 وهو صحيح 0]
يقول العلماء : زيت الزيتون أسهل أنواع الزيوت هضماً ، وفيه قيمة وقائية
وعلاجية وغذائية ، وقد أجمع الأطباء على أن هذا الزيت له تأثير علاجي عجيب
، من هذا التأثير ، أنه يمكن أن نستخدمه ، لخفض الكولسترول ، الضار في
الإنسان ، ورفع الكولسترول النافع ، ويستخدم أيضاً ، لخفض الضغط المرتفع ،
ويُستخدم أيضاً لمرضى السكر، ويستخدم لوقاية الشرايين والأوعية من تصلبها ،
وفيه مادة تمنع تخثرالدم ، وتقي الشرايين من ترسب المواد الدهنية على
جدرانها ، ومن التحليلات الدقيقة أن مئة غرام من زيت الزيتون فيه غرام
بروتينات ، وأحد عشر غراماً من الدسم ، وفيه البوتاسيوم ، والكالسيوم ،
والمنغنيزيوم ، والفوسفور، والحديد والنحاس، والكبريت ، وفيه ألياف ، وهو
غني بأهم الفيتامينات المتعلقة بتركيب الخلايا ونشاطها ، والمتعلقة
بالتناسل وبالعظام ، وهو غذاء للدماغ جيد ، وغذاء للأطفال ، وله تأثير في
تفتيت الحصيات ؛ حصيات المرارة والمثاني ، وله أثر ملطفٌ للالتهابات
والأمراض الجلدية ، هذا الزيت له أثر طيب ، ونافع حتى في الاستعمال الخارجي
، والنبي عليه الصلاة والسلام ، لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يُوحى .
فهناك أحاديث كثير عن الزيت ، من أبرزها هذا الحديث :
" كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة "
ويكاد بلدنا الطيب بفضل الله تعالى ، أن يصل إلى المرتبة الأولى في العالم
في زراعة شجرة الزيتون .
ختاماً لهذا الموضوع ، أضع بين أيديكم ، الحقيقة التالية ، يتفوق الإنسان
في الدين ، لا بحجم ثقافته الدينية ، ولا بحجم عواطفه الجياشة ، نحو
الإسلام والمسلمين ، ولا بحجم المظاهر الدينية التي يحيط بها نفسه ، ولكن
يتفوق في الدين بمدى استقامته على منهج ربه ، قال تعالى :
" إن أكرمكم عند الله أتقاكم "
ويتفوق أيضاً ، بحجم عمله الصالح ، الذي يعود نفعه على المسلمين بخاصة ،
وعلى الإنسانية بعامة ، قال تعالى :
" ولكل درجات مما عملوا "
هذه الاستقامة ، وهذا العمل الصالح ، لا يُقبلان عند الله في الآخرة إلا
إذا بُنيا على معرفة بالله صحيحة ومتينة ، قال تعالى :
قيل لأحد العارفين ، من هو الولي ، أهو الذي يمشي على وجه الماء ، قال : لا
، قالوا أهو الذي يطير في الهواء ، قال : لا ، قال : الولي كل الولي ، الذي
تجده عند الحرام والحلال " أن يجدك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك "
|